العبدة ـ المغرب اليوم
لا يغيب "كأس العالم" لكرة القدم عن مخيمات اللاجئين السوريين في شمال لبنان، لكنه يتحول إلى جزء من المعاناة خصوصا أن لا قدرة على دفع المال لمشاهدة المباريات ما يضطر عشاق اللعبة إلى قطع مسافات طويلة إلى مقاهي تقدم لهم فرصة شبه مجانية لمتابعة منتخباتهم المفضلة. يمارس اللاجئون السوريون أقصى الطقوس الممكنة للمونديال ويرفعون أعلام منتخباتهم المفضلة فوق الخيام، لكن ذلك لا يعدو في أحسن الأحوال إن يكون استراحة محارب، يعودون بعدها مع إطلاق الحكم لصفارة نهاية المباراة إلى هم البحث عن لقمة العيش .. والثورة. في احد المقاهي المخصصة لمشاهدة المونديال والقريبة من تجمعات اللاجئين السوريين في منطقة العبدة، يتسمر عدد كبير من الشبان أمام شاشة عملاقة ينتظرون بشوق هدفا يحرزه الفريق الذي يشجعونه. يندفع الفتى عبد الملك شحود (15 عاما) في التعبير عن تأييده للبرازيل، مضيفا أن عشقه لكرة القدم يدفعه كل يوم لترك مخيم العبدة و"المجئ إلى هذا المقهى لأتابع المونديال"، كون ذلك متعذرا في الخيمة "حيث ليس لدينا تلفاز كما أن ذلك مكلف بالنسبة لنا". شحود يهرب إلى "عالم المونديال" لأسباب عدة أهمها أن "فرحة المشاهدة تنسيني جو اللجوء المتعب الذي أعيشه". ويشتكي كذلك الشاب الحمصي خالد الحاسم والذي كان يلعب سابقا في صفوف أشبال "نادي حمص لكرة القدم"، من أن المحطة التي تبث المباريات "لا يمكن أن نلتقط بثها ولذلك اقصد بيت الجيران أحيانا لكي أشاهد المباريات". ويوضح الحاسم أن "متابعة (مباريات) فريقي المفضل البرازيل تنسيني بعض الهموم لأني افرح بطريقتهم الممتعة في اللعب"، لكن الشاب يطرق لبرهة ويقول: "أحب إن ارجع إلى سوريا الآن... عسى الله يأتي بالفرج على وطننا". يتمنى عبدو لطوف، الرجل الثلاثيني من تلكلخ في ريف حمص، أن "يسقط النظام حتى نعود إلى سوريا ونتابع حياتنا والمونديال على أرضنا حيث اللذة والمتعة على العكس من هنا حيث المعيشة الصعبة". ولطوف أيضا يتابع المباريات "لأنسى هم التعب الذي نعيشه. انضم إلى الشباب في المقهى وأحاول أن أنسى هم تأمين مستلزمات حياتنا اليومية والدمار الذي حل بوطنا وبيوتنا". يحاول الشاب محمد الجاسم (18 عاما) من تلكلخ أيضا، أن يفصل بين السياسة والمونديال، لكن حديثه يبدأ مع الحماسة لكرة القدم ثم يعود الى "سوريا والثورة والحرية". يوضح الجاسم انه يشبه هوايته فيقصد المقهى ليشاهد المباريات "لان المحطات التي تبث المونديال تكلفتها عالية ولا نستطيع الاشتراك فيها"، مشيرا إلى أن "في سوريا المونديال أجمل .. كل شيء أجمل". هو يشجّع فريق ألمانيا لكن يوضح سريعا انه "لا اخلط الأمور وتشجيع منتخب لا يعني إني أؤيد سياسة بلاده تجاه الثورة. ورغم حبي للسياسة فلا دخل للسياسة بالرياضة". وما يلبث أن يعود لا شعوريا إلى همه الأول فيضيف "في النهاية نحنا شعب نطالب بالحرية"، مقرا انه يحاول عبر مشاهدة كأس العالم أن ينسى بعض همومه، لكن "ما أن تنتهي المباراة حتى أعود إلى همي الكبير وهو ثورتنا في سوريا ومعاناة شعبي". أما بالنسبة لأبي احمد من بابا عمرو بحمص، فـ "لا مونديال ولا من يحزنون. هل نحن نملك الوقت لذلك أساسا؟ نحن مشغولون بالبحث عن لقمة العيش والرغيف علنا نسد الجوع". ثم يضيف مستنكرا السؤال من أساسه "وهل تعتقد أن لدينا تلفاز أصلا لنتابع المباريات حتى لو أردنا ذلك؟" في سوريا كنت أتابع أما هنا فأنا مشغول بالبحث عن الطعام لأطفالي". هؤلاء الأطفال أنفسهم، لهم "مونديال" خاص بهم، فتراهم يلعبون كرة القدم في فسحة بين الخيام المترامية في المخيم حولوها إلى "ملعب" يحتضن أجسادهم الصغيرة كما أفراحهم وأحلامهم بالعودة إلى بيوت هُجّروا منها وبقيت في ذاكرتهم.