الرباط - المغرب اليوم
يعيش المشهد السياسي في المغرب على إيقاع متغيرات ومفاجآت ساخنة، لا تقل حرارة عن فصل الصيف، جعلت الأنظار مشدودة إلى قرارات عليا مرتقبة قد تصل إلى حد إعفاء وزراء ومسؤولين كبار، بل تعدى الأمر إلى الحديث عن احتمال إقالة حكومة سعد الدين العثماني، وإعادة تنظيم الانتخابات البرلمانية. وهذه القرارات لا يبدو أنها ستتأخر، إذ يتحدث البعض عن أنها ستُعلن في خطاب العاهل المغربي، محمد السادس، في 20 أغسطس / آب الجاري، بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب. وشهدت الحياة السياسية في المملكة منعطفًا مهمًا أخيرًا، تمثّل في خطاب العاهل المغربي بمناسبة الذكرى الـ18 لوصوله إلى سدة الحكم، إذ انهال باللوم والتوبيخ على الأحزاب والسياسيين المغاربة، مهددًا بمحاسبة كل مسؤول ثبت في حقه تقصير، بإعفائه من مهامه.
ومن المفاجآت الأخرى التي ضجّ المشهد السياسي والحزبي المغربي بها، إعلان إلياس العماري، زعيم "الأصالة والمعاصرة"، أكبر حزب معارض في البلاد، استقالته من قيادة الحزب، تفاعلاً مع الخطاب الملكي، فيما عاد الأمين العام لـ"العدالة والتنمية"، رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران، إلى تصريحاته القوية والساخنة حيال القصر ومستشاري الملك. وجاء الوعيد والتهديد الذي واجه به الملك سياسيين ومسؤولين منتخبين، قال إنهم لا يحظون بثقته لكونهم اتخذوا العمل السياسي وسيلة لتحقيق أهداف ومكاسب ضيقة وخاصة، بدلاً من تأمين احتياجات المواطنين، تجاوبًا مع أطول حراك شعبي شهدته البلاد في عهد الملك محمد السادس، وهو حراك منطقة الريف. وتشهد منطقة الريف، خصوصًا مدينة الحسيمة، احتجاجات منذ أواخر أكتوبر / تشرين الأول الماضي، حين قُتل بائع السمك محسن فكري طحنًا داخل شاحنة قمامة، وتراوحت الاحتجاجات بين المد والجزر، وبين القلة والكثافة، وبين الهدوء والتوتر، وانتهت باعتقال العديد من نشطاء الريف. ودفعت احتجاجات الريف، بعد أسابيع طويلة من صمت السلطات العليا في البلاد، الملك المغربي إلى تخصيص حيز كبير من "خطاب العرش" لقضية احتقان مدينة الحسيمة، وجعلته يوجّه ما وصفه محللون كثيرون بأقسى خطاب منذ وصوله للحكم إلى الطبقة السياسية في البلاد، إذ أكد أنه لا يثق في عدد من السياسيين المغاربة.
وربط الملك بين ما يجري في الحسيمة من تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، التي أسفرت عن احتقان النفوس وتنظيم مسيرات احتجاجية، وبين تخلي مسؤولين وسياسيين ومنتخبين عن تحمّل مسؤولياتهم، وبين اكتفاء الطبقة السياسية بقضاء مآربها الخاصة على حساب تطلعات وآمال السكان. ويمكن اعتبار خطاب الملك محمد السادس الأخير أحد أقوى وأجرأ الخطابات التي ألقاها منذ 18 عاماً، إذ حمل في ثناياه الكثير من الوعيد والتهديد الصريح بإعفاء مسؤولين أو وزراء إذا ثبت في حقهم التورط في عدم تنفيذ مشاريع تنموية معينة، ملمّحًا إلى صدور قرارات في هذا الاتجاه تطبيقًا للفصل الدستوري الذي ينص على ربط المسؤولية بالمحاسبة. وبلغ غضب الملك المغربي مداه في آخر مجلس وزاري ترأسه، في يوليو / تموز الماضي، عندما أمر بإنشاء لجنة تحقيق مشتركة بين مفتشي وزارتي الداخلية والمال، أجرت لقاءات وتحريات بشأن المتسبّبين في عدم تطبيق مشروع "الحسيمة منارة المتوسط"، الذي سبق للملك أن أطلقه عام 2015 لتنمية مدينة الحسيمة، وشيئًا فشيئًا، تحوّل الملك المغربي إلى معارض شرس لسياسات الحكومة، من خلال جيل جديد من الخطب حرص فيها على أن يوجّه انتقادات حادة، بشكل مباشر أحيانًا وبطريقة ضمنية أحيانًا أخرى، إلى مسؤولين ومؤسسات ووزراء.
وسبق للملك أن حذر في خطاب سابق من استخدام سياسيين لتصريحات تسيء إلى المؤسسات الدستورية للبلاد، وهو ما فُهم حينها على أنه انتقاد موجّه إلى رئيس الحكومة السابق، بنكيران، عندما تحدث عن وجود دولتين داخل المغرب، واحدة تمثّلها الحكومة، وأخرى تملك المقاليد الحقيقية للحكم، كما سبق أن انتقد بشدة منتخبي الأحزاب التي تدير مدينة الدار البيضاء بسبب مظاهر الفقر في عدد من أحيائها. ويعيش عدد من المسؤولين والمنتخبين والوزراء أيضًا، ومعهم جزء من الرأي العام الوطني، ترقّبًا بما ستفضي إليه نتائج التحقيق الذي أمر به الملك، والذي تقول مصادر مطلعة إنها لن تتأخر في الظهور، من خلال قرارات يُنتظر أن تكون حازمة في حق مسؤولين كبار، من المرتقب أن تتم مع الدخول السياسي الجديد، الذي يحل عادة في المغرب في سبتمبر / أيلول وتشرين الأول من كل عام.
وأصبح المشهد السياسي والحكومي في البلاد، خصوصًا بعد خطاب الملك وانتظار الإعلان عن نتائج التحقيق في عوامل تعثّر تنفيذ مخطط "الحسيمة منارة المتوسط"، مفتوحًا أمام العديد من السيناريوهات الممكنة، والتي لا يُمكن استبعاد أي سيناريو منها، بالنظر إلى غضب القصر من الأحزاب وجزء من المسؤولين، واستمرار الاحتقان في عدد من مناطق المملكة، والسيناريو الأول قد يكون صادمًا ومفاجئًا، ويتمثّل في إمكانية حل الملك للبرلمان، وفق ما ينص عليه الدستور في الفصل 96، الذي يقول: "للملك، بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية وإخبار رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، أن يحل المجلسين معًا أو أحدهما، ويطبق الحل بعد خطاب يوجّهه الملك إلى الأمة". وهذا السيناريو تتبعه دعوة الملك إلى تنظيم انتخابات سابقة لموعدها، وفق نص الدستور المغربي في فصله الحادي عشر، إذ يحق للملك أن يدعو إلى انتخابات مبكرة، غير أنه سيناريو يظل صعب التحقق نظرًا لتبعاته السياسية والمالية، فضلاً عن السياقات السياسية المحلية والإقليمية والدولية الراهنة.
وهناك سيناريو آخر يروج له محللون ومتابعون للشأن السياسي المغربي، تجاوبًا مع الغضب الملكي على أداء السياسيين والمنتخبين، وأيضًا لضمان السير العادي للمؤسسات، وفق الفصل 42 من الدستور، هو إعفاء رئيس الحكومة الحالي، وتعيين رئيس حكومة ائتلافية، أو حكومة تترأسها شخصية تنتمي إلى حزب "العدالة والتنمية"، أو الحزب الثاني في الانتخابات، وهو "الأصالة والمعاصرة". ويلوح سيناريو ثالث في الأفق، متمثّلاً في إعفاء الملك لوزير أو أكثر من وزير في الحكومة التي يقودها العثماني، بعد استشارة رئيس الحكومة، وفق ما يفرضه الدستور، أو تقديم أعضاء من الحكومة استقالاتهم بشكل فردي أو جماعي، تفاعلاً مع أوامر الملك بالتحقيق مع المتسببين في تأخر تنفيذ مشروع "الحسيمة منارة المتوسط". وتأتي هذه السيناريوهات التي باتت تُطرح بقوة داخل كواليس المشهد السياسي والحكومي المغربي، استشرافًا لنتائج لجنة التحقيق التي شارفت على إنهاء مهمتها، وفي خضم إصرار أعلى سلطة في البلاد على محاسبة المتورطين مهما كانت مناصبهم ومسؤولياتهم. ومهما كان اختلاف السيناريوهات المتاحة والمتوقعة، سواء كان حل البرلمان وإقالة الحكومة، وتنظيم انتخابات مبكرة، أو كان إعفاء رئيس الحكومة أو تقليص أعضائها، أو إجراء تعديل حكومي، أو حتى الاكتفاء بمعاقبة مسؤولين محليين أو مسؤولين داخل الوزارات المعنية، فإن المؤكد أن المشهد السياسي في المملكة يعيش على إيقاع ساخن في العمق، على الرغم مما يبدو في ظاهره من تماسك وهدوء.
ومثل كرة الثلج المتدحرجة، أثار الخطاب الملكي الذي دعا السياسيين والمسؤولين إلى العمل أو الاستقالة والانسحاب، ردود فعل مفاجئة، بعد أن أعلن الأمين العام لـ"الأصالة والمعاصرة"، إلياس العماري، استقالته من منصبه الحزبي، تجاوبًا مع مضامين توجيهات القصر، ولقي القرار عاصفة من ردود الفعل المتباينة، بين من اعتبر الاستقالة خطوة سياسية تستحق الإشادة، باعتبار أن السياسيين المغاربة لم يألفوا ترك مناصبهم الحزبية بسهولة، إذ يتم الحديث غالبًا عن زعامات حزبية خالدة، لا تترك قيادة أحزابها إلا بالموت أو العجز الصحي. وفي المقابل هناك من وجد استقالة العماري من رئاسة الحزب، الذي حل ثانيًا في انتخابات تشرين الأول الماضي، مجرد مزايدات سياسية دأب الرجل على نسجها وترويجها ضد حزب "العدالة والتنمية"، في خضم الجدل والاحتقان الدائر بسبب أحداث الريف، ما دام العماري يشغل أيضًا منصب رئيس جهة الحسيمة. وفي كل الأحوال، يمكن اعتبار استقالة العماري حجرًا ألقاه في بركة المياه الراكدة للمشهد الحزبي في البلاد، إذ يُسجَّل له عدم تمسكه بمنصب زعيم أكبر حزب معارض، وأيضًا تفاعله الإيجابي مع سخط الملك على تخلي الأحزاب عن مسؤولياتها.
وفي الوقت الذي فاجأ فيه العماري الطبقة السياسية والحزبية في المغرب بقرار استقالته، على الرغم من رفض المكتب السياسي لهذه الخطوة، عاد عبدالإله بنكيران إلى الأضواء بقوة من جديد، بعد غياب دام أسابيع عديدة، إثر إعفائه من رئاسة الحكومة. وجاءت عودة بنكيران إلى الإدلاء بآرائه السياسية المثيرة للجدل في سياق داخلي يشهده حزب "العدالة والتنمية" للمرة الاولى في تاريخه، متجسدًا في ظهور قيادات داخلية انتقدت بشدة طريقة تشكيل الحكومة بعد إعفاء بنكيران، كما جاءت في خضم سجال حاد بشأن إمكانية تولي بنكيران زعامة الحزب لولاية ثالثة، على الرغم من عدم سماح القوانين الداخلية بذلك، ما جعل مناوئي الحزب يتهمونه بدخول نادي "الزعامات الخالدة". ويبدو أن عودة بنكيران إلى الحياة السياسية من جديد بعد طول غياب، تهدف إلى بعث رسائل خاصة في كل الاتجاهات، أولها إلى معارضيه بشكل أساسي، مفادها أنه ما زال حيًا يرزق، بتعبير بنكيران نفسه، وأن الحزب ما زال قويًا بمواقفه على الرغم من ما أثير بشأنه من تخاذل وقبول بدخول حزب "الاتحاد الاشتراكي" إلى الحكومة، ضد رغبة بنكيران.
ووجه بنكيران ثاني الرسائل إلى خصمه العنيد، مستشار الملك وصديقه، فؤاد عالي الهمة، إذ قال إن مستشاري الملك ليسوا أشخاصًا فوق النقد، بل اعتبر أن الملك ليس إلهًا، ويمكن توجيه النصح له بطريقة لائقة تليق بمقامه.


أرسل تعليقك
تعليقك كزائر